عبد الملك الجويني

9

نهاية المطلب في دراية المذهب

ثم قال : السرف والمغالاة في المهر غير محبوب ، والقصد هو المستحسن ، ولو حصل التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجاته وبناته ، فنِعْم المتبع . وقالت عائشة : " ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة من نسائه ، ولا زوّج واحدة من بناته بأكثر من اثنتي عشر أوقية ونَشٍّ ، أتدرون ما النَّش ؟ إنما هو نصف أوقية " والأوقية أربعون درهماً ، فمجموع ما ذكَرَت من الأواقي والنش خمسمائة " ( 1 ) ، وقال عمر : " ألا لا تغالوا في مهور النساء ؛ فإنه لو كان فيه مكرمة عند الله وعند الناس ، لكان أحقكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقامت امرأة سفعاء الخدين وقالت : الله يعطينا ، ويمنعنا عمر ، فقال : أين ذلك ، فقالت : قال الله تعالى : { وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } [ النساء : 20 ] فقال : كلُ الناس أفقه من عمر رجل أخطأ وامرأة أصابت " ( 2 ) . ويتعلق بمتنهن أمران : أحدهما - أنَّ المغالاة ليست مكروهة ، وإنما ينهى عنها نهيَ استحباب ، وقد بان أن مراتب النهي ثلاثة : تحريم وكراهة واستحباب . ومما نذكره أنَّ النزول إلى المبلغ الذي ذكرناه في مهور نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تخاطب به المرأة المالكة لأمر نفسها ، والسيد في تزويج أمته . فأما الأب إذا كان يزوّج ابنته الصغيرة ، فليس له أن ينزل عن مهر مثلها ، وإن نزل ، ففيه الترتيب القديم . . . .

--> ( 1 ) حديث عائشة رواه مسلم بلفظ : " كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشاً ، قالت : أتدري ما النش ؟ . . . " ( ر . صحيح مسلم : كتاب النكاح ، باب الصداق ، ح 1426 ) . ( 2 ) خبر نهي عمر عن المغالاة في المهور على النحو الذي ساقه إمام الحرمين ، مركب من حديثين رواهما عبد الرزاق في مصنفه : 6 / 175 ، 180 ، ح 10399 ، 10420 ، وهما عند سعيد بن منصور ، ح 594 ، 597 ، والأول عند أحمد : 1 / 301 ، وهو عند الحميدي : 1 / 13 ) .